خليل الصفدي

334

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان حسن المحاضرة ، متع المذاكرة ، يستحضر من حكايات الصالحين جمله ، ويتولى من أمرها حمله ، لو جلست معه ثلاثة أيام بلياليها ؛ لأورد عليك جملة من أماليها . وكان وهو بالديار المصرية يحضر السماع ، مع ما عنده من العزلة والانجماع ، وعليه فيه أنس وحركة ، ويرى الناس منه في ذلك خيرا وبركة . ولم يزل بدمشق ، إلى أن نزل الموت بابن القيسراني قسرا ، وجعل العيون بالحزن عليه حسرى . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في الثالث عشر من ذي القعدة سنة ست وثلاثين وسبعمائة وكانت جنازته حفلة ، ودفن بمقابر الصوفية . اجتمعت به - رحمه اللّه تعالى - بدمشق غير مرّة ، والتقطت من إنشاده غير درّة ، وأولاني من خيره ، وجبره الإحسان والمبرة ، ولما توفى - رحمه اللّه تعالى - كنت بالديار المصرية ، فكتبت إلى ولده القاضي شهاب الدين يحيى - رحمه اللّه تعالى - أعزّيه فيه - يأتي ذكر ذلك فيما بعد . وكان قد كتب إليّ وأنا بالقاهرة : ( الطويل ) إليك صلاح الدّين شوق امرئ غدا * وقد صحّ دون الجسم فيك ، وداده ترحّلت عن مغنى دمشق فشوقنا * إليك طوالا لدهر تجري جياده إن كنت في أرض يحلّ صلاحها * وإن كنت في مغنى يزول فساده فكتبت أنا الجواب إليه : ( الطويل ) أتاني مثال منك يفدى سواده * بعينيّ بل يعلو عليها مداده أمنت به دهري ، وصلت بوصله * على الخطب حتّى خاف منّي عتاده وصرفت في صرف الزّمان أناملي * إلى أن غدا في حكم أمري قياده ولو لم يرد هذا المثال لما بقي * من الخاطر المشتاق إلّا رماده لقد أصبح المملوك عبدا مكاتبا * وتمّ له ممّا يروم مراده فلا غرو أن يبني على الأفق مجده * لأنّك من دون الأنام عماده وإن صلاحا نال عطفك في الورى * عليه بعيد أن يراه فساده أيا من له سبق المعالي إذا جرت * لينل العلا يوم الفخار جياده ومن يتحلّى الدّهر منه بماجد * تكمّل فيه حلمه ، وسداده ومن لاق في عين الكمال انتقاؤه * وصحّ على زيف الأنام انتقاده